القائمة الرئيسية

الصفحات

Getlike

(نسَّامٌ وغيمة بنفسج) /محمد القاسم عبد الحليم | مدونة كتابات


(نسَّامٌ وغيمة بنفسج) 


نسَّام
_________

كان الخريفُ قد حل سريعاً ذلك العام. مبكراً بدأت الغيومُ تحتشدُ في صفحةِ السماء. بدأت الارضُ أيضاً تألفُ الدُعاش والرياح والعصافير المهاجرة المرشوشة برائحة السماء. كان الناسُ يعملون جهدهم لإستقبالِ ذلك الخريف، ينظفون أراضيهم، يجمعون العشبِ غير الصالحِ ويقومون بحرقه، يأخذون العُدة لذلك الحلمُ المنتظر! 

كان_هو_ حينها قد أخذ أيضاً عدته لذلك الخريف، الذي كان يوقنُ انه سيدخله بأحلامه العمياء، بنعاجه القليلات، وشروده الطويل، يقفزُ بين محطاتِ السماء. يرجونها مطراً ويرجوها فرجاً. يتوسلها موعداً بين دهاليزِ النجوم.. 

كان اكثرُ ابياتِ الشعرِ رهافةً يجد حروفه عاجزة أن تُناهض شعوره بالضياع. كان قبله مزقاً بين كفيها الناعمتين العابقتين برائحة حليبٍ دافئ خرج لتوه من ضرع نعجة، فتاتاً بين عينيها الواعدتين بخيرٍ وإخضرارٍ كإخضرارِ الحقول في أغسطس. أبدية شعوره بالحبِ لا تنطفئ، وسرمدية شعوره بالشوقِ آخذة في المدِ، تحصدُ وساوس الفقدِ والفراق.. 
التقيا قبل يومين. هناك في مشارفِ القرية على قيدِ مد سماوي رمادي من المقبرة. كان هذا مكانهُما المفضل؛ فالناسُ تنفرُ من القبور، المقبرة صامتة والصمتُ مرهوب. تضربُ العواطف بلا هوادة. ستفكرُ انك قد ترحل يوماً بلا احلام.. 

كان وجودها كافياً لقمعِ اي هاجسٍ بالموت، وفي نفسِ الوقت كان وجودها رحيلاً عن دنيا الناسِ كما لو كان موتاً، ولكن مزيج التناقضِ البهيج يموتُ بأحاديث الهوى كما يموتُ مزيجُ الشتاء والصيف مع أول غيمة تعبرُ السماء..

حين رفضه والدها للمرة الأولى، لم يعيرا ذلك الأمر شديد انتباه، كان ذلك في خاطرهما محضُ شدة وتزول وتصبحُ الأمور عادية، أو ربما كان مجلسِ (جودية) يضمُ الكبار كافياً لحسمِ الأمر، أو جلسةٌ مع الفكي (فجَّاغ) كافية لقلب الموازين وإصلاح الأمور. لكن بعد كثيرٍ من الجلساتِ ومجالسِ الجودية واستشارة بعض الوداعيات بواسطة والدتها اتضح أن هذا الامرُ غير ممكنٍ البتة. وقبل ايامٍ من ذاك الخريف، حلف والدها بالطلاقِ على الملأ أن سيزوجها نهاية الخريف لإبن صديقه بلة تاجر الماشية. واقسم انه سيبصقُ على تلك السيرة كلما قذفت بها مجالسُ القرية أمامه.. 

غيمةٌ البنفسج 
____________

رويداً رويداً كانت الغيمةُ تدنو من القرية. كانت حالمة كما ذكرى القُبلاتِ الأولى. تحملُ الغيمة بذراعيها نجمتين. تبدو وكأنما ستهبطُ فجأة على الأرض. كان الدُعاش الأخير عاصفاً محملاً بالرزاز، كأنما يخرجُ من تلافيفِ تلك الغيمة.. 

استقام _هو_في وقفته وهش على نعاجه لكنها ظلت متوقفة تنظرُ إلى الغيمة وكأنما تراها عشباً سيخرحُ يوماً من ارحام الارضِ، وكلنا لا يكتفي يوماً من تأمل وجه الحُلم. الفئران، الطيور، القمري والبلوم، المعزاتِ المتناثراتِ حول اسوارِ المقبرة، الجميع وقفوا على اطرافِ الترقبُ والانتظار.. 
توقف عن ضربِ النعاجِ قليلاً وآمال رأسه، كانت_هي_ على قيدِ خطواتٍ منه، بيضاء كأمنية، شفيفةٌ كحلم. كانت تنظرُ بإندهاشٍ إلى قيامة الوهمِ الملقاة كثوبٍ قديم بين الارضِ والسماء. وبقفزةٍ واحدة أصبح أمامها مباشرة، بين كفيها، وعبير كفيها، وشرود عينيها. عصف داخله دفق نظراتها، وتبدى ذاك المزيجِ من الإقترابِ والرحيل.. 

حين رفعا رأسيهما كانت قيامة الحُب تنشدُ عُري العاطفة وشبق الشعور. كانت الغيمة تتعرى من ثوبِ البنفسج وتصبحُ عارية كنظرة عاشقة. وبدأ ثوب الغيمة يدنو، بينما شعر بقدميه ترتفعان عن الارض وعينيها تقتربان من عينيه.. 
ثوب الغيمة يدنو.. 
يدنو.. 
يدنو.. 
يلفُ جسديهما ويرحل وسط ذهول العالم.. 
قلبانِ وغيمة بنفسج.. 
رحيلٌ وإقتراب… 

#ابوغزل 
محمد القاسم


 

author-img
خدمة نشر الكترونية

تعليقات

Getlike